الاقتصاد الدائري وريادة الأعمال النسائية في السعودية: نحو اقتصاد أخضر ومستدام
يتناول المقال كيف يمكن للاقتصاد الدائري وريادة الأعمال النسائية في المملكة العربية السعودية أن تقودا التحول إلى اقتصاد أخضر ومستدام من خلال الابتكار وإعادة التدوير والمسؤولية الاجتماعية.
في عالم يعيش على وقع استنزاف موارده الطبيعية، تظهر فكرة الاقتصاد الدائري كأحد أكثر الحلول إلحاحاً وإبداعاً. تطرح هذه الفكرة بديلاً للأنماط التقليدية القائمة على «الاستهلاك ثم الإلقاء»، حيث يتم إعادة تدوير الموارد، وإطالة عمر المنتجات، والعودة الدائمة إلى نقطة البداية دون هدر. هذا التحول ليس مجرد منظومة اقتصادية جديدة؛ بل هو تحول ثقافي وفكري يعيد تشكيل علاقتنا بالأرض وبأنفسنا. في المملكة العربية السعودية، التي تشهد تحولاً طموحاً نحو التنويع الاقتصادي والاستدامة، يفتح الاقتصاد الدائري آفاقاً جديدة تجمع بين إرثنا العميق وشغفنا بالتطور والتجديد.
اللافت في هذا التحول أن النساء السعوديات يقفن في مقدمة من يقودون هذه الرؤية. فالريادة النسائية لم تعد ترتبط فقط بإنشاء الشركات أو التجارة التقليدية؛ بل باتت ترتبط بشجاعة تبني نماذج أعمال تعيد تعريف القيمة. المرأة التي اعتادت إدارة ميزانية منزلها بوعي وحكمة باتت اليوم تدير منشآت تستفيد من النفايات الزراعية، وتُعيد تدوير المواد، وتبتكر حلولاً صديقة للبيئة. هذه الريادة ترتكز على الفهم العميق للعلوم المالية والاقتصادية، وهي الحقول التي طالما طمحت سمر العتيبي وزميلاتها إلى استثمارها في خدمة المجتمع. يلتقي العلم هنا مع العاطفة، ويتحول الاهتمام بحقوق المرأة إلى مسار عملي يعزز استقلاليتها الاقتصادية ويساهم في حماية البيئة.
نرى أمثلة عديدة على هذا التداخل بين العلم والعمل والوعي. فهناك مشاريع نسائية تحول مخلفات التمور إلى منتجات عضوية وأسمدة، وتستخدم الطاقة الشمسية لتشغيل ورش صغيرة في المناطق الريفية، وتبتكر حلولاً لتقليل استهلاك المياه في الزراعة. العديد من رائدات الأعمال الشابات انطلقن من قصص شخصية؛ فإحداهن بدأت بإعادة تدوير الملابس القديمة لأفراد عائلتها لتصنع منها منتجات جديدة، ثم تحولت فكرتها إلى متجر إلكتروني يوظف نساء أخريات ويُساهم في تقليل النفايات. هذه القصص تؤكد أن الاستدامة ليست رؤية بعيدة المنال، بل مشروعاً جماعياً ينبع من البيوت والشوارع والأسواق المحلية.
ومع ذلك، لا يخلو طريق الاقتصاد الدائري من التحديات. تواجه النساء الراغبات في دخول هذا المجال عقبات تتراوح بين البيروقراطية والتقاليد. الحصول على تمويل لمشاريع خضراء قد يبدو صعباً في بيئة لا تزال تفضّل الأنشطة التقليدية، كما أن التوعية بأهمية الاستدامة لدى المستهلكين تحتاج إلى جهود جبارة. الأهم من ذلك أن الرغبة في الابتكار ترافقها أحياناً مخاوف من الفشل والتقييم الاجتماعي. في هذه اللحظات، يصبح الاعتراف بهذه المخاوف واحتضانها جزءاً من قوة الريادة؛ فالشجاعة ليست غياب الخوف وإنما القدرة على المضي قدماً رغم وجوده.
لا يمكن تحقيق هذا التحول دون شبكة دعم حقيقية. تحتاج رائدات الأعمال إلى تشريعات تشجع الاقتصاد الدائري وتقدم حوافز للمشاريع الخضراء، وإلى فرص تدريبية تدمج المعرفة المالية مع مبادئ الاستدامة. كما يحتجن إلى منصات تسويق ونشر توصل أصواتهن وتُعرف الجمهور بمنتجاتهن وخدماتهن. هنا يلتقي دور النشر والتسويق مع الاقتصاد الأخضر، إذ أن سرد القصص الملهمة وتسليط الضوء على النجاحات الصغيرة يساعدان في خلق وعي جمعي وتعاطف مجتمعي يدفع عجلة التغيير.
من خلال الاستثمار في الاقتصاد الدائري، تستطيع المملكة تعزيز أهداف رؤية 2030 المتعلقة بالتنوع الاقتصادي والحفاظ على البيئة. النساء السعوديات، بما يحملنه من خبرات أكاديمية وعملية ومن حس اجتماعي وإنساني، يشكلن عنصراً أساسياً في هذا الطريق. إن القصص التي نكتبها اليوم ستصبح جزءاً من تاريخ الغد؛ تاريخ يمزج بين العلم والإنسانية، وبين الاقتصاد والبيئة، وبين الطموح الفردي والإحساس بالمسؤولية الجماعية.
ختاماً، فإن مستقبل الاقتصاد الأخضر في السعودية يرتبط بجرأة النساء اللواتي لا يكتفين بالحلم بل يسعين إلى تحويل أفكارهن إلى حقائق ملموسة. كل مشروع صغير لإعادة التدوير، وكل ورشة تعمل بالطاقة المتجددة، وكل مبادرة تستثمر في المعرفة والتعليم المالي، هي خطوة نحو وطن أكثر استدامة وعدلاً. وعندما نتحدث عن الاقتصاد الدائري، فإننا نتحدث عن دورة لا تنتهي من التعلم والنمو والتغيير؛ دورة تذكرنا بأن كل قرار نقوم به، مهما كان بسيطاً، يمكن أن يكون بذرة لمستقبل مزدهر ومستدام.






